في ركني المفضل من البلكونة كنت أرقب النجوم الساطعة في السماء الداكنة من خلال دخان تبغي و احتسي النسكافيه .. كل شيء كان جميلا ، شجيا بطريقة تبعث الدفء في الأوصال رغم برودة الجو النسبية ..
كانت ليلة بسيطة بلا شيء مميز ، لم تكن هناك أفكار معينة في رأسي ، ﻻ حزن معين ، ﻻ سعادة معينة ، حالة من الاتزان تنبيء بنوم عميق اسود خالي من الاحلام ذات المغزى ، لكن هذا لم يدم طويلا إذ سرعان ما انتبهت إلى الظاهرة !
حتى الآن انا ﻻ اعرف ماهية الظاهرة .. الظاهرة كانت تبدو كحدث غريب و غير معتاد ، خوارقي ، بيد أن ملامحا مألوفة كانت تطل بشكل يبعث على الحميمية ، و الأرق أيضا .. هل تعرف كيف يكون المعني في قلبك لكن الكلمة غير متاحة في عقلك ؟ كرة الديسكو الزرقاء - التي ليست كرة ديسكو زرقاء - تخبو او تتماهي قليلا لكي تظهر الملامح من النوع المألوف ، في تعبير يمكن ان يكون عن الرعب / الألم / الاستنكار / العلوقية ، الخ ..

لسبب ما كانت الظاهرة تلهمني بشأن الحياة .. انا ﻻزلت شابا و على ان اختار هدفا لحياتي .. الحب ؟ الثراء ؟ الحكمة ؟ .. لم يكن الامر يحتاج لحكمة لكي اعرف ان السعي خلف المال او ستنتهي بي تعيسا مبضونا ، حصيلتي من الافلام العربية تؤكد على ذلك !
"الحب هو الشيء الوحيد الذي يستحق ان نحيا لاجله" ، بدت لي هذه فكرة سامية جدا و حكيمة جدا ، انا ﻻ احتاج لحكمة لكي ادرك هذا ! هكذا انطلقت في حياتي بحثا عن الحب ..
1- الحب !
بعد عدد من السنوات عدت لاقف في البلكونة .. زفرت في ضيق و انا افكر ان الحب ليس سوى البضان نفسها !
كل من احببتهم ماتو او خانوني .. من لم يمت او يخون مللته بعد فترة ، و هذه هي النهاية الطبيعية للعلاقات البشرية السخيفة .. هذا الهراء الذي ابتدعه العقل البشري لكي يتغلب على خوفه من الوحدة ، الحب ليس سوى خرافة !
افقت من افكاري إلى الظاهرة .. تأملتها لحظات و فكرت ان الوقت لم يضع تماما ، ﻻزلت حيا و على ان اختار هدفا جديدا لحياتي .. لم يكن اختياري حكيما في المرة السابقة ! لذا لو كان الاختيار ما بين الثراء و الحكمة ، فساختار الحكمة نفسها !
الحكمة فقط ستبعد عن عقلي الاوهام و تزيل من قلبي الشكوك و تمنحني راحة البال ! هكذا انطلقت في حياتي بحثا عن الحكمة !
2- الحكمة !
و بعد عدد من السنوات عدت لاقف في ذات البلكونة .. ضربت بقبضة كفي سور البلكونة محاولا تبديد ضيقي من سنوات عمري الضائعة هبائا على هذا الخراء : الحكمة !
الحكمة لم تكن تعني شيئا سوى البضان .. ريجيم قاسي لرغباتك و مشاعرك في سبيل ان تبدو حكيما رزينا رصينا ، ان تصمت اسبوعا لكي تفكر في عبارة يستغرق قولها خمسة ثواني ، و ﻻ احد سيتذكرها بعد عشرة ثواني .. ان تقضي سنوات في البحث عن قضية فلسفية معقدة مثل حقيقة الوجود ، تتقلب بين نتيجة و ضدها : اذا كانت الحياة الحالية هي كل ما لدينا فهل نحياها و خلاص او ننتحر بما انه مفيش فايدة ؟ .. خلاصة القول ان كل شيء كان يمكن اثباته او نفيه ، و في النهاية بدلا من ان تمنحني الحكمة راحة البال ، فقدت منحتني البضان و ﻻ شيء سوى البضان !
انتبهت من افكاري إلى الظاهرة تتكون أمامي من جديد .. و قد ارسل مظهرها نوعا من السكينة و الامل في قلبي ، فبعد كل شيء ﻻ ازال حيا ، و اذا كان هناك شيء يمكن ان نسميها حكمة ، فهو ان من الغباء ان نضيع وقتنا في الاسف على ما مضى ! لم يبقى من شيء لم اجربه سوى البحث عن الثروة ! كس ام الحكمة ، الثروة هي الحل !
و هكذا انطلقت لاقضي ما تبقى من حياتي بحثا عن الثروة !
3- الثروة !
و بعد عدة سنوات انتهي بي الحال في ذات البلكونة ارمق الظاهرة و افكر : ينعن تيخ أم كده ! في واقع الامر ان المال كان افضل ما حدث لي ، فالحقيقة هي ان المال هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن لمسها باليد بين كل هذا الهراء .. لأجل المال كنت محبوبا سعيدا ارفل في النعيم ، و قد نشرت خلاصة تجاربي في كتاب اسميته "متعيطش لو سمحت" فباع ملايين النسخ حول العالم فحصلت على جائزة نوبل في الحكمة التي توقفت الحكومة السويدية عن منحها بعد حصولي عليها لان احدا لن يصل إلى ذات حكمتي اطلاقا !
هكذا اشبعت رغباتي واحدة تلو الاخرى ، حتى بدأت اعراض "تناقص المنفعة الحدية" في الظهور علي ، و لم يمض وقت سريع حتى تناقصت ثروتي حتى الصفر و استسلمت مرة اخرى للشعورالمقبض بالبضان ..
"اللعنة على كل شيء ! كل تجربة مررت بها انتهت بالبضان ! ، كل ما يبدو كمتعة او ميزة ينتهي كنقمة تغرس اشواكها في روحي المنهكة ! "
الدموع التي احتشدت في قلبي فاضت ثم سالت من عيني ، فانهرت على ركبتي و انا اهتف فيما يشبه الاستجداء " الرحمة بقى ، ينعن تيخ ام كده بجد ! اعمل ايه ، اعمل ايه ! "
و للمرة الاولى بدت لي حركة شفاه الوجه مفهومة .. حدقت اكثر لكي افهم ، و من اللامكان سمعت الصوت الذي اثار الشعور بالغليان في رأسي :
" بم برارارام ، بم بم "